تحقيق: خليفة الدسوقي و عبد الرحمن أبو الغيط
تنص اللائحة الداخلية لمجلس الشعب المصري في المادة "284" على وجوب أن يعبر المتكلم عن رأيه ووجهة نظره، مع المحافظة على كرامة وهيبة المؤسسات الدستورية بالدولة وكرامة المجلس وكرامة رئيس وأعضاء المجلس..، ونصت في المادة 369 "على وجوب مراعاة العضو الاحترام الواجب لمؤسسات الدولة الدستورية وأصول اللياقة مع زملائه بالمجلس ورئاسة المجلس".
إلا أنَّ نواب الوطني– كعادتهم- لا يحترمون لوائح أو قانونًا أو حتى دستورًا، فقد سجًّلت مضبطة لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب نهاية هذا الأسبوع واقعة "سب للدين" كان بطلها القيادي في الحزب الوطني الحاكم ووزير المالية يوسف بطرس غالي عندما سأله المهندس أحمد عز عن رأيه في حسابات المكسب والخسارة في هدم العقارات في عزبة الهجانة بوصفه نائبًا عن دائرة بالقاهرة، ثم وزير مالية ورجلاً اقتصاديًّا، ففوجئ النواب بإجابة وزير المالية الذي قال: "نعوض الذين اشتروا في هذه العمارات المخالفة بعد أن نزيلها، ثم نلاحق الملاك، ونجري ورا إللي خالف "وأطلع (دين) إللي خلفوه"، وحينها صمتت المؤسسة التشريعية على هذا الخروج الفجّ.
ثم جاء المشهد الكارثي الثاني لنواب الحزب الحاكم، فقد شهدت لجنة الدفاع والأمن القومي أزمةً حادةً أثناء مناقشة الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر على حدودها مع قطاع غزة، حيث قال أحد نواب الوطني في كلمته: "نحن نحترم الشعب الفلسطيني، ولكن "أولاد الوسخة" دول ملناش دعوة بيهم قاصدًا حماس، وحينما اعترض النواب وجَّه حديثه إليهم قائلاً "يا أولاد دين .... هنطلع دين....... يا إخوان يا كفرة إحنا هانبني الجدار واللي هايتكلم هطلع ........ أمه".
وحينما حاول الشيخ سيد عسكر (عضو كتلة الإخوان) الاستشهاد بأحد الأحاديث النبوية قامت الدنيا ولم تقعد، وهاج نائب الوطني حسن نشأت القصاص، وقال لهم "بطلوا بقه تحريف في القرآن والأحاديث النبوية". إلا أن عسكر قاطعه وطلب منه عدم الحديث بهذا الشكل، ورد قائلاً "إنتوا عندكم نتانياهو إسرائيل" وتصور القصاص أنه يصفه بالإسرائيلي، فما كان منه إلا أن قال له "أنا أشرف منك يا خاين يا ابن الكلب يا بتاع حماس"، وهنا انقلبت الأمور رأسًا على عقب، ورفض نواب الإخوان ما قاله القصاص، إلا أن الأخير استكمل سبابه، وقال لهم "دي وساخة وقلة أدب" وحاول النائب أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني التدخل لحسم الأمر، إلا أن النائب بدر القاضي عضو الحزب أخذ يكيل السباب إلى نواب الإخوان، وقال لهم لو مسكتوش هاضربكم بالجزمة".
هكذا استمر نواب الوطني في التعبير عن برنامجهم الأول بالشتائم والردح السوقي.
إفلاس سياسي:
اعتبر أحمد أبو بركة (عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب) ما قام به نواب الأغلبية دليلاً واضحًا على حالة الإفلاس السياسي نتيجة ضعف النظام وعدم امتلاكه أي رؤية أو خطة لحل أي أزمة، وهو ما يظهر في هذه التصرفات التشنجية غير المدروسة.
وأضاف أنَّ ما حدث يمثل خرقًا للأخلاق والقواعد البرلمانية ولأحكام قانون العقوبات، حيث يعد سب الدين والتطاول على النواب وسب أمهاتهم جرائم دينية وأخلاقية وجنائية وسياسية، خاصة إذا كان من يطلقها وزيرًا أو أحد نواب الشعب.
وأكَّد أنَّه يجب اتخاذ إجراءات برلمانية بإحالة هؤلاء النواب إلى لجنة القيم تمهيدًا لتقديمهم إلى المحاكمة كإجراء قضائي من أجل وضع حد لهذه المهزلة التي دقت ناقوس الخطر لشرفاء هذا الوطن من أجل إنقاذه من هؤلاء الفاسدين.
خروج عن الذوق العام:
أما صبحي صالح (أمين القطاعات الجغرافية بالكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب) فقال إن هذا التصرف ليس خروجًا على الأعراف البرلمانية فقط، بل هو خروج على الذوق العام وحسن الخلق والقانون والآداب العامة بما يسميه الناس قلة أدب.
وأضاف: "الأسوأ أنَّ حادثة "سب الدين" تكرَّرت مرتين: المرة الأولى من وزير المالية الذي يعد من أهم وأقدم الوزراء في الحكومة، والمرة الثانية فكان من نواب مجلس الشعب في حضور رئيس المجلس، وهو ما يفقد هؤلاء أهليتهم لشغل هذه المناصب بسب هذه الجرائم الأخلاقية، وبالتالي فإنَّ كل مؤسسات الدولة التي يشغلها أعضاء من الحزب الوطني منهارة؛ لأن هناك مناصب يعلو بها من يشغلها لحسن خلقه وأدائه وثقافته، وهناك مناصب يهبط بها من يشغلها لفساد خلقه وأدائه وثقافته".
وطالب صبحي رئيس المجلس بإحالة هؤلاء النواب إلى لجنة القيم لمحاسبتهم حتى يدفع التهمة عن نفسه؛ لأن هذا التطاول حدث في وجوده كما طالب الإعلام بفضح هؤلاء الفاسدين أمام الرأي العام ليراهم الناس على حقيقتهم.
هيبة المجلس ضاعت:
وأكَّد محمد العمدة (النائب عن الحزب الدستوري المصري) أنَّ نواب الوطني لن يحولوا إلى لجنة القيم؛ لأنَّ أحمد عز الذي شحنهم وسخرهم للإساءة إلى الآخرين، وسيمنع ذلك، مرجعًا ما حدث إلى مخالفة لائحة مجلس الشعب منذ البداية بجعل جلسة لجنة الأمن والدفاع القومي سرية مع عدم وجود مبرر لذلك في ظل معرفة العالم كله بأمر جدار مصر وتفاصيله.
وقال النائب: "وتوالت الأخطاء حيث ترك د. فتحي سرور رئيس المجلس البيانات العاجلة والمحصورة في محضر الجلسة وعددها 18 بيانًا ونظر الجلسة وكأنها جلسة عادية، وبدأ يستمع لثلاثة من نواب الوطني في مقابل واحد من المعارضة".
وأضاف: "لقد حاول نواب الوطني الشوشرة على المعارضة، وبدا واضحًا أنهم سيوجهون الإساءة إلى الآخرين، وهو ما كان من بعض نوابهم".
واستطرد قائلاً: "إن ما حدث ينحصر في أن الأغلبية تدير مجلس الشعب ليس على ضوء اللائحة واحترامها، ولكن على أنه مجلس خاص بالحزب".
وشدد النائب على أنَّ هيبة مجلس الشعب المصري ضاعت مع استمرار أسلوب الحزب الوطني داخله على شكل مسيء لتاريخ المجلس وشخصياته العظام، فضلاً على أنه خروج عن القيم والأخلاق.
نواب الشتيمة:
من جانبه أكد الحقوقي البارز جمال عيد أنه يجب التفرقة بين نواب أتوا بإرادة شعبية وهم نواب الإخوان والمعارضة والمستقلين وبين نواب الحزب الوطني الذين جاءوا عبر التزوير.
وأشار إلى أن نواب الشتيمة هم نواب الحزب الوطني وبالتالي فلا نندهش وهم معروف كيفية وصلوهم للمجلس، ولكن علينا أن نصرّ على تعديل وضع مجلس الشعب المصري كي يصل إليه نواب منتخبين بنزاهة وجيدو السير والسلوك.
إرهاب وبلطجة:
واتهم القانوني سعد عبود (عضو مجلس الشعب عن حزب الكرامة تحت التأسيس) قيادات الحزب الوطني بإفساد الحياة البرلمانية في مصر.
وقال: "هناك توحش من الأغلبية التي كانت موجهة لإسكات أي صوت معارض يريد كشف حقيقتهم في أمر بناء الجدار الفولاذي بين مصر وغزة".
وأضاف: "نواب الوطني ظنوا بالسباب أنهم سيثبتوا ولاءهم للحزب الوطني الذي أتى بهم بالتزوير، ولم يكن في حسبانهم أي قيم أو احترام للبرلمان أو للرأي العام".
وأكد عبود أن عدم تحويل نواب الوطني إلى لجنة القيم يعني أن هناك رضاء تامًا من قيادات الوطني على ما قام به هؤلاء النواب وهذا يمثل إرهابًا وبلطجة.